أبي الفرج الأصفهاني
198
الأغاني
حاجة مهمّة فيها بعض الشيء . فإن أذنت لنا قلنا . قال : قولوا . فذكر يمين الرجل والشعر . فقال : أمّا قوله « إن التي ناولتني [ 1 ] » هي الخمرة . وقوله : « قتلت » يعني مزجت بالماء . وقوله : « كلتاهما حلب العصير » يعني به الخمر ومزاجها ، فالخمر عصير العنب ، والماء عصير السّحاب ؛ قال اللَّه عزّ وجلّ : * ( وأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ) * انصرفوا إذا شئتم . غناؤه لحنا على مثال لحن لمخارق : أخبرني محمد بن يحيى قال حدّثني أحمد بن يزيد المهلَّبيّ عن أبيه قال : غنّى مخارق يوما بحضرة الواثق : حتى إذا الليل خبا ضوءه وغابت الجوزاء والمرزم [ 2 ] / خرجت والوطء خفيّ كما ينساب من مكمنه الأرقم فاستملح الواثق الشعر واللحن ، فصنع في نحوه : قالت إذا الليل دجا فأتنا فجئتها حين دجا الليل خفيّ وطء الرّجل من حارس ولو درى حلّ بي الويل ولحنه فيه من الرّمل . وصنع فيه الناس ألحانا بعده : منها لعريب خفيف رمل ، ومنها ثقيل أوّل لا أعلم لمن هو ؛ وسمعت ذكاء ومحمد بن إبراهيم قريضا يغنّيانه وذكرا أنهما أخذاه عن أحمد بن أبي العلاء ، ولا أدري لمن هو . تحدّث إسحاق إليه بقصة أعرابيّ عاشق وغنى في شعره فوصله ووصل الأعرابيّ : حدّثني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدّثنا حمّاد بن إسحاق قال حدّثني أبي قال : سرت إلى سرّمن رأى بعد قدومي من الحجّ ، فدخلت إلى الواثق فقال : بأي شيء أطرفتني من أحاديث الأعراب وأشعارهم ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين جلس إليّ فتى من الأعراب في بعض المنازل ، فحادثني فرأيت منه أحلى ما رأيت من الفتيان منظرا وحديثا وأدبا . فاستنشدته فأنشدني : سقى العلم الفرد الذي في ظلاله غزالان مكحولان مؤتلفان إذا أمنا التفّا بجيدي تواصل وطرفاهما للرّيب مسترقان [ 3 ] أرغتهما ختلا فلم أستطعهما ورميا ففاتاني وقد قتلاني ثم تنفّس تنفّسا ظننت أنه قد قطع حيازيمه . فقلت : مالك بأبي أنت ؟ فقال : إن لي وراء هذين الجبلين شجنا ، وقد حيل بيني وبين المرور به ونذروا دمي ، وأنا أتمتّع بالنظر إلى الجبلين تعلَّلا بهما إذا قدم الحاجّ ، ثم يحال بيني وبين ذلك . فقلت له : زدني مما قلت في ذلك . فأنشدني : / إذا ما وردت الماء في بعض أهله حضور فعرّض بي كأنّك مازح
--> [ 1 ] الرواية المتقدمة في البيت : « . . . عاطيتني » . [ 2 ] الجوزاء : برج في السماء ، سميت بذلك لأنها معترضة في جوز السماء أي وسطها . والمرزمان : نجمان مع الشعريين . [ 3 ] الاستراق : اختلاس النظر والسمع ، ومثله التسرق والمسارقة .